الأربعاء، 23 يناير 2013

أهميَّة القلب ...12


12- "أعمال القلوب ... أولى و أغلى .."


 
لعمل القلب المكانة العظمى والمنزلة الأسمى في دولة الإيمان ، لذا ذكر العلماء أن عمل القلب أهم من عمل الجوارح ...

 قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله :
 " ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب ، وأنها لا تنفع بدونها ، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح ، وهل يُميِّز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم ، فهي واجبة في كل وقت " ....

 وقال في موضع آخر :
" فعمل القلب هو روح العبودية ولبها ، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح " .

 وقال أيضاً :
" فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح ؛ إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عليها " .

 ولهذا يسبق أصحاب القلوب أصحاب الجوارح بمراحل وعلى الدوام ، " فالكيِّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعُلُّو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق ، فان العزيمة والمحبة تُذهب المشقة وتُطيِّب السير ، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة ، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل ، فإن ساواه في همته تقدَّم عليه بعمله " ....

*عليه مقدار الأجر و تفاوته :...


 فتتفاوت الأجور في كل عمل حسب محتوى القلوب ، ففي الصلاة : قد يُصلِّي الرجلان في صف واحد وبين ثوابهما كما بين السماء والأرض ، وقد ينفق الأخوان مبلغاً واحداً فينال أحدهما أجراً واحداً بينما الآخر ينال سُبعمائة أجر أو أكثر ، وقد يدرك قلبان ليلة القدر فيتضاعف أجر أحدهما عن الآخر أضعافاً مضاعفة ، بل حتى في الجهاد ؛ ففي غزوة مؤتة لما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ، ثم تقدَّم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ، ثم أخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قُتِل رضي الله عنه. قال صلى الله عليه وسلم : « لقد رُفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت : عمَّ هذا؟! فقيل لي : مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى » ...

لحظة واحدة من عمل القلب كانت سببا في تأخر ابن رواحة ، ولمحة من طرْف العين أنزلته دون صاحبيه ، ليحوز شهادة دون شهادة ، وفوزاً دون فوز ، وهذ كله من عمل لحظة!! لكنها لحظة قلبية ، لكن كيف بمن غرق قلبه الأيام والأعوام في غفلات متتابعات وسكرات متلازمات ؟! ... تُرى كم يتأخر في الجنة ؛ هذا إن دخلها !!

 لذا أدرك ابن عطاء السكندري قيمة عمل القلب فانطلق يُرسي قاعدة وزن الأعمال ، وهي قاعدة سارية المفعول في زمانه وغير زمانه :
    " ما قلَّ عمل برز من قلب زاهد ، ولا كثر عمل برز من قلب راغب " ...

 وأكَّدها يحيى بن معاذ في قوله الأخَّاذ :
   " مفاوز الدنيا تُقطع بالأقدام ، ومفاوز الآخرة تُقطع بالقلوب " .

 بل وشهد لأعمال القلوب من قبل هؤلاء جميعا الصحابي المُعلَّم "عبد الله بن مسعود" رضي الله عنه حين قال مخاطبا جموع التابعين المجدّين في عبادات الجوارح :

 " أنتم أطول صلاة ، وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله ، وهم كانوا أفضل منكم ", قيل له: بأي شيء؟ قال : " إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم " ....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ما الذي تفتقده البشرية يا تُرى؟