الأربعاء، 23 يناير 2013

أهميَّة القلب ...13


13- "رفعة الدنيا ... و شرف الآخرة " ...


 
واسمع كيف رفعت القلوب قوما كانوا خدما وعبيدا ، وسمت بذكرهم فوق السحاب ، ووالله لو كانت قلوبهم غير نقية أو خالصة لطمس الله ذكرهم وبعثر علمهم ومحى سيرتهم ، أو قرنها بكل خبيث وسوء، ولكنه القلب الحي يظل ينبض بعد موت صاحبه يتغنى بالذكر الجميل والسيرة العطرة ،

الناس صنفان : موتى في حياتهم ** وآخرون ببطن الأرض أحياءُ

 قال ابن أبي ليلى :

 " قال لي عيسى بن موسى وكان جائرا شديد العصبية (أي للعرب) : من كان فقيه البصرة؟ قلت الحسن بن أبي الحسن. قال : ثم من؟ قلت : محمد بن سيرين. قال : فما هما؟ قلت : موليان...
قال : فمن كان فقيه مكة؟ قلت : عطاء بن أبي رباح ، ومجاهد بن جبر ، وسعيد بن جبير ، وسليمان بن يسار. قال : فما هما؟ قلت : موالي...

فتغيَّر لونه ، ثم قال : فمن كان أفقه أهل قباء؟ قلت : ربيعة الرأي ، وابن أبي الزناد ، قال : فما كانا؟ قلت : من الموالي...
فاربدَّ وجهه ثم قال : فمن كان فقيه اليمن؟ قلت : طاووس ، وابنه ، وهمام بن منبه. قال : فما هؤلاء؟ قلت : من الموالي...

فانتفخت أوداجه فانتصب قاعدا ، ثم قال : فمن كان فقيه خراسان؟ قلت : عطاء بن عبد الله الخراساني. قال : فما كان عطاء هذا؟ قلت : مولى...
فازداد تغيظا وحنقا ، ثم قال : فمن كان فقيه الجزيرة؟ قلت : ميمون بن مهران. قال : فما كان؟ قلت : مولى...

 قال : فتنفس الصعداء ، ثم قال : فمن كان فقيه الكوفة؟ قلت : فوالله لولا خوفه لقلت : الحكم بن عُيينة ، وعمار بن أبي سليمان ، ولكن رأيت فيه الشر ، فقلت : إبراهيم ، والشعبي. قال : فما كانا؟ قلت : عربيان. قال : الله أكبر! وسكن جأشه " .

 لله درُّهم .. عبيدٌ أشرف من سادة ، وهمم تناطح الجبال ؛ ونجوم ساطعة وإن رآهم الجاهل في أدنى سلم المجتمع أو في القاع ، وملوك آخرة ولو لم يجدوا ما يسد الرمق ، والسر من وراء هذا كله القلب ، وما يضرهم أن يكونوا من الحطام الفاني والعز الراحل , فارغي اليد إذا كانوا من كنوز الشفاء و نوافع الدواء ممتلئ القلب ؟! وصدق إقبال وهو يجزم :

 بامتثال الأمر يعلو من رَسَب ** وهوى الطاغي ولو كان اللهب ...

 

-"العلم الحقيقي" ..

وهو علم القلوب ، وقد فهم سلفنا الصالح أهمية هذا علم القلوب على سائر العلوم ، فقال عنه أبو حامد الغزالي : " وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة " ، وقال عمرو بن قيس الملائي : " حديث أُرقِّق به قلبي ، وأتبلَّغ به إلى ربي ، أحب إليَّ من خمسين قضية من قضايا شُرَيح " ، بل لما قيل للإمام أحمد : من نسأل بعدك؟! قال عبدالوهاب الوراق.... قيل له : إنه ليس له اتساع في العلم قال : إنه رجل صالح مثله يُوفَّق لإصابة الحق ، وسُئل كذلك عن معروف الكرخي ؛ فقال : كان معه أصل العلم : خشية الله ...

 
واستُفتي الحسن عن مسألة فأجاب فقيل له : إن فقهاءنا لا يقولون ذلك ، فقال : " وهل رأيت فقيها قط؟! الفقيه القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا " ...

 وعن ليث قال : " كنت أسأل الشعبي فيُعرِض عني ويجبهني بالمسألة ، فقلت : يا معشر العلماء !!! يا معشر الفقهاء !!! تروون عنا أحاديثكم وتجبهوننا بالمسألة ، فقال الشعبي : يا معشر العلماء! يا معشر الفقهاء! لسنا بفقهاء ولا علماء ، ولكنا قوم قد سمعنا حديثا ، فنحن نحدثكم بما سمعنا ، إنما الفقيه من ورع عن محارم الله ، والعالم من خاف الله " ...

 وليس الوصول إلى الله والدار الآخرة بكثرة العلم والرواية بل بثمرة العلم والهداية ، وما قيمة علم لا يدفع صاحبه إلى العمل؟! وهل هو إلا حجة عليه ودليل إدانته وعلامة استهزائه بربه؟! لذا كان نهج السلف تجهيز تربة القلب وإعدادها جيدا قبل أن يبذروا فيها أي بذرة علم. قال سفيان الثوري : " كان الرجل لا يطلب الحديث حتى يتعبَّد قبل ذلك عشرين سنة " .

يا من تباعد عن مكارم خلقه ** ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة
 من لم يهذِّب علمُه أخلاقَه ** لم ينتفع بعلومه في الآخرة

 المحتالون :..


وإذا مرِض قلب العالم استخدم علمه في حِيَل يظن بها أن يتخلص من حكم الشرع وعاقبة البغي وكأن الله غير مطَّلع عليه ، وقد انتشرت هذه الحيل عندما وهن الإيمان في الصدور واستثقل الناس أحكام الشرع ؛ حتى أفرد ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان فصولا عن الحيل وأقسامها ، واسمع إلى واحدة من هذه الحيل يرويها لك أبو حامد الغزالي :
" وحُكي أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ، ويستوهب مالها إسقاطا للزكاة ، فحُكِي ذلك لأبي حنيفة رحمه الله ؛ فقال : ذلك من فقهه ، وصدق فإن ذلك من فقه الدنيا ، ولكن مضرته في الآخرة أعظم من كل جناية ، ومثل هذا هو العلم الضار " .

لذا كان عليك وأنت تدرس أي علم من علوم الشرع اليوم أن تقرأه بروح جديدة ، وقلب كأنه وُلِد اليوم ولم يتلطَّخ بخطيئة بعد ، وخذ مثلا على ذلك : عِلم السيرة الذي حثَّك الأستاذ البهي الخولي على قراءته بهذه الطريقة الجديدة باستخدام قلبك قبل عينك ، وبروحك وعاطفتك مع عقلك ، وأرشدك إلى الطرح الحي فقال :

  " أن تُكثِر مصاحبة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته المطهرة مصاحبة وجدانية عميقة ، تجعلك في مجلسه عليه السلام إذا جلس ، وفي ركابه إذا ركب ، وفي معيته إذا سار ، وتُسمعك قوارع وعظه ، وتُسرِّب إلى قلبك رقة مناجاته إذا ناجى ربه في جوف الليل ، أو في خلوات النهار ، وتصل عواطفك بعواطفه صلوات الله عليه ، حتى تكاد تشعر بخلجات قلبه العظيم إذا غضب ، وبشاشته وسماحته إذا تسهل لشيء وتهلل ، وتسلكك في صفوف المؤمنين به ، فأنت معهم حين يسامون العذاب ، تألم كما يتألمون ، وتهاجر كما يهاجرون ، تهاجر معهم بوجدانك وخيالك وعواطفك إلى الحبشة أو غيرها من بلاد الله ، فإذا شرع له الجهاد في المدينة ، فأنت تحت لوائه المظفر ، تشهده ممتطيا صهوة جواده ، وقد لبس لأمة الحرب ، وتقلَّد السيف ، وأخذ برمحه ، فهو فارس الميدان ، وقائد الفرسان ، تزهر عيناه الشريفتان من تحت مغفره صلى الله عليه وسلم ، فما يصعد شرفا ولا يهبط واديا ، ولا ينال من عدو نيلا إلا وأنت معه عليه السلام ، تكاد تضرِب إذا ضرب ، وتُقدِم إذا أمر ، وتفديه بما تملك ، وتحوطه بكل ما في سويداء قلبك من حب وعاطفة " .

 

أهميَّة القلب ...12


12- "أعمال القلوب ... أولى و أغلى .."


 
لعمل القلب المكانة العظمى والمنزلة الأسمى في دولة الإيمان ، لذا ذكر العلماء أن عمل القلب أهم من عمل الجوارح ...

 قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله :
 " ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب ، وأنها لا تنفع بدونها ، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح ، وهل يُميِّز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟! وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟! وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم ، فهي واجبة في كل وقت " ....

 وقال في موضع آخر :
" فعمل القلب هو روح العبودية ولبها ، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح " .

 وقال أيضاً :
" فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح ؛ إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عليها " .

 ولهذا يسبق أصحاب القلوب أصحاب الجوارح بمراحل وعلى الدوام ، " فالكيِّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعُلُّو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق ، فان العزيمة والمحبة تُذهب المشقة وتُطيِّب السير ، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة ، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل ، فإن ساواه في همته تقدَّم عليه بعمله " ....

*عليه مقدار الأجر و تفاوته :...


 فتتفاوت الأجور في كل عمل حسب محتوى القلوب ، ففي الصلاة : قد يُصلِّي الرجلان في صف واحد وبين ثوابهما كما بين السماء والأرض ، وقد ينفق الأخوان مبلغاً واحداً فينال أحدهما أجراً واحداً بينما الآخر ينال سُبعمائة أجر أو أكثر ، وقد يدرك قلبان ليلة القدر فيتضاعف أجر أحدهما عن الآخر أضعافاً مضاعفة ، بل حتى في الجهاد ؛ ففي غزوة مؤتة لما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ، ثم تقدَّم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ، ثم أخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قُتِل رضي الله عنه. قال صلى الله عليه وسلم : « لقد رُفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت : عمَّ هذا؟! فقيل لي : مضيا وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى » ...

لحظة واحدة من عمل القلب كانت سببا في تأخر ابن رواحة ، ولمحة من طرْف العين أنزلته دون صاحبيه ، ليحوز شهادة دون شهادة ، وفوزاً دون فوز ، وهذ كله من عمل لحظة!! لكنها لحظة قلبية ، لكن كيف بمن غرق قلبه الأيام والأعوام في غفلات متتابعات وسكرات متلازمات ؟! ... تُرى كم يتأخر في الجنة ؛ هذا إن دخلها !!

 لذا أدرك ابن عطاء السكندري قيمة عمل القلب فانطلق يُرسي قاعدة وزن الأعمال ، وهي قاعدة سارية المفعول في زمانه وغير زمانه :
    " ما قلَّ عمل برز من قلب زاهد ، ولا كثر عمل برز من قلب راغب " ...

 وأكَّدها يحيى بن معاذ في قوله الأخَّاذ :
   " مفاوز الدنيا تُقطع بالأقدام ، ومفاوز الآخرة تُقطع بالقلوب " .

 بل وشهد لأعمال القلوب من قبل هؤلاء جميعا الصحابي المُعلَّم "عبد الله بن مسعود" رضي الله عنه حين قال مخاطبا جموع التابعين المجدّين في عبادات الجوارح :

 " أنتم أطول صلاة ، وأكثر اجتهادا من أصحاب رسول الله ، وهم كانوا أفضل منكم ", قيل له: بأي شيء؟ قال : " إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم " ....

أهميَّة القلب ...11

11- "رسالة تحذير " ...


 

قال صلَّى الله عليه وسلَّم : « أول ما يُرْفع من الناس الخشوع » .
وهو إشارة إلى أن علم القلوب سيضمحل وسط طغيان علوم الدنيا ، وأن أسراره ستضيع وبركاته ستذهب وسط الزحام ، وهو أول فساد يمسُّ الأرض بعد رسول الله ، ليكون علامة على خبث الباطن ، ومخالفة السر العلن ، وعندها فساد كل شيء : تذبل القلوب لموت الأرواح فيها ، وتقرأ الألسنة العربية القرآن وكأنها أعجمية ، فلا فهم ولا تدبر ولا امتثال ، وتنشغل الأمّة –إن انشغلت- بمظهر العبادة دون جوهرها ، وتهتم بأركانها دون مقاصدها ، ويكثر البهرج الزائف وإن اتَّشح بوشاح القرآن. قال صلى الله عليه وسلم : " أكثر منافقي أمّتي قرَّاؤها " ....


وإذا فشا النفاق في أمّة رأيتَ العجب العجاب ، ليس في زماننا فحسب ، بل وفي زمان من هم أزكى منا وأطهر ، وليس بين العوام بل بين حفظة كتاب الله.


قال النووي : ما أخاف على ذِمِّي إلا القُرَّاء والعلماء ، فاستنكروا منه ذلك ، فقال : ما أنا قلته وإنما قاله إبراهيم النخعي ، وقال عطاء : احذروا القُرَّاء واحذروني معهم ، فلو خالفتُ أودَّهم لي في رمانة ؛ أقول إنها حلوة ويقول إنها حامضة ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر ، وقال الفضيل لابنه : اشتروا دارا بعيدة عن القُرَّاء ؛ ما لي والقوم! إن ظهرت مني زلة قتلوني ، وإن ظهرت علي حسنة حسدوني .


وهل هذا إلا لفساد الباطن وخبث السريرة ؛ مع أن الله قد يهدي بقراءتهم الألوف من الناس ، لكن ذلك لا يُغني عنهم من عذاب الله من شيء إن هم فسدت قلوبهم ، وهذا ما سبق وحذَّرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله :

« إن أخوف ما أخاف على أمّتي كل منافق عليم اللسان » .

قال المناوي شارحاً :
 " أي كثير علم اللسان ، جاهل القلب والعمل ، اتخذ العلم حرفة يتأكل بها ذا هيبة وأبهة يتعزز ويتعاظم بها ؛ يدعو الناس إلى الله ويفرُّ هو منه ، ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه ، ويُظهِر للناس التنسك والتعبد و يُسَارِرُ ربه بالعظائم ، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب ، فهذا هو الذي حذَّر منه الشارع هنا حذرا من أن يخطِفك بحلاوة لسانه ، ويُحرِقك بنار عصيانه ، ويقتلك بنتن باطنه وجنانه " .

 وسبب تحديث عمر رضي الله عنه بهذا الحديث أن الأحنف بن قيس سيد أهل البصرة كان فاضلا فصيحا مفوَّها ، فقدم على عمر فحبسه عنده سنة يأتيه كل يوم وليلة ، فلا يأتيه عنه إلا ما يحب ، ثم دعاه فقال : تدري لم حبستك عني؟! قال : لا. قال : إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حدَّثنا فذكر الحديث ، ثم قال : " خشيتُ أن تكون منافقا عليم اللسان ، وإنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حذَّرنا منه ، وأرجو أن تكون مؤمناً فانحدر إلى مصرك " ...


أهميَّة القلب ...10

10-"أطبَّاؤه...مرضى!!"

 
وطب القلوب من العلوم التي شحَّت في زماننا ، ونتج عنه المرض الذي عمَّ وانتشر حتى أصاب كثيراً من علمائنا وحاملي دوائنا ؛ فحفظت أذهانهم الشروح والمتون ، ونسيت جوارحهم الهدى والمنون ، وقالت ألسنتهم أنهم عالمون ونطقت أفعالهم أنهم جاهلون.

وأكثر علماء زماننا نوعان :

نوع منكبٌ على حطام الدنيا لاهث وراءها ، لا يمل جمعها ، ويتقلب شهره ودهره في ملذَّاتها ، وقد أخذت دنياه بمجامع قلبه ، ولزمه خوف الفقر وحب التكاثر ؛ وأكثر هؤلاء دُفِع إلى ذلك دفعاً وأُريد له أن ينشغل بالسعي وراء لقمة العيش والكدِّ من أجل الرزق وأُعطوا في مقابل ذلك الكفاف ؛ ليس غير الكفاف ، ليظلوا دوما غارقين في الإعصار ، دائرين في الرحى ، لا يبلغون ما يأملون ، ولا يتركون السعي إلى ما يطمحون ، وبذلك نسوا أسمى مهامهم وأشرفها وهي وراثة الأنبياء والقيام بوظيفة الرُّسل.

 ونوع آخر اختصر الطريق على نفسه ، و رضي بالحرام السهل ، والشبهة المربحة ، واتخذ الإيمان سلعة ، يبيع بعضه أو كله ، ويقبض الثمن توسعة وإكراما وإغداقاً وأموال ، أهل تصنُّع ودهاء ، وتزيُّن للمخلوقين ، وتملُّق للحكام ، يلتقطون الرُّخص ويفتون بها ، ديدنهم المداهنة ، وطريقتهم المنافقة ، ولذا عمَّ البلاء وعزَّ الدواء ، وقد سبق للعالم المجاهد  "عبد الله بن المبارك " أن رأى أحد إخوانه يسلك أول هذا الطريق فقام بواجبه في النصح على الفور ، ومدَّ له يد العون ، وما أطيب سيرة رجل كابن المبارك كأريج الزهور تنقلها الريح من سهل إلى سهل ومن عصر إلى عصر متجاوزة حدود الزمان والمكان ، لتنقل لنا أنه لما قيل له : إن "إسماعيل بن علية " قد ولي الصدقات كتب إليه ابن المبارك أبياتا من الشعر تصلح لكل زمان سرى فيه هذا الداء فقال :


يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين

احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنونا بها بعد ما ... كنت دواءً للمجانين

أين رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين

أين رواياتك والقول في ... لزوم أبواب السلاطين

إن قلت أُكرهتُ فماذا كذا ... زلَّ حمار العلم في الطين

 
 فلمَّا قرأ الكتاب بكى واستعفى ....

وإن كان لموت القلب علامات تختلف من شخص إلى آخر ومن مهنة إلى أخرى ؛ فإن أبرز علامات موت قلب العلماء وأشهرها هي ما عرفناه من مالك بن دينار [ ت : 130 ] الذي قال : " سألتُ الحسن : ما عقوبة العالم؟ قال : موت القلب. قلت : وما موت القلب؟ قال : طلب الدنيا بعمل الآخرة " .



وسمَّاهم "ربيعة الرأي" بالسفلة وسفلة السفلة ، فقد روى "مالك بن أنس" : " قال لي أستاذي ربيعة الرأي : يا مالك! من السفلة؟ قلت : من أكل بدينه ، فقال : فمن سفلة السفلة؟ قال : من أصلح دنيا غيره بفساد دينه " .


أظهروا لله دينا * وعلى الدينار داروا

وله صاموا وصلوا * وله حجوا وزاروا

لو بدا فوق الثريا * ولهم ريش لطاروا


عالم السوء الذي لا يعمل بعلمه فتنة ووبال على نفسه وغيره ، ومَثَله مثل صخرة وقفت في فم النهر؛ لا هي تشرب ولا هي تدع الماء يخلص إلى الزرع .. ارحمونا يا علماء السوء!!


إن الفقيه إذا غوى وأطاعه ** قوم غووا معه فضاع وضيَّعا

مِثل السفينة إن هوت في لجة ** تغرقْ ويغرقُ كل من فيها معا

أهميَّة القلب ...9



9- " الانقلاب " ...



 

القلب هو أرق أعضاء الجسم وأسرعها تأثرا بما يحيط به ويغشاه ، ومن رقَّته أن تؤثِّر فيه أدنى خاطرة وأقل هاجس ، وأثر القليل عليه كثير ، فالآفات إليه أسرع ، وهو إلى الانفلات أدنى ، ومن الانقلاب أقرب .... فإن قلب المرء وإن صفا زمناً، وثبت على الإيمان فترة ، واستلذ بحلاوته حيناً ؛ فإنَّه مُعرَّضٌ للانتكاسة ، وهذه هي طبيعة القلب ومنها اشتُقَّ اسمه.

 قال القرطبي وهو يشرح معنى كلمة القلب :

 " وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلباً إذا رددته على بداءته ، وقلبت الإناء : رددته على وجهه ، ثم نُقِل هذا اللفظ فسُمِّي به هذا العضو ؛ لسرعة الخواطر إليه ولترددها عليه كما قيل :

 ((ما سُمِّي القلب إلا من تقلُّبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحول )) " ...

 
قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما سُمِّي القلب من تَقَلُّبِه ، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة يُقلِّبها الريح ظهرا لبطن » ، وإن القلب شديد التقلب سريع التحول ، ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلا فيقول : « لقلب ابن آدم أسرع انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانًا » .

 
إن بقاء قلب المؤمن على الدرجة الرفيعة من الإيمان التي يجدها بعد أعظم العبادات قدرًا ، وعقب أكثر المواسم خيرا وفضلا ؛ أمر مستحيل ؛ لشدة انشغال القلب بالدنيا وملذاتها ، وما يعتريه فيها من أفراح وأتراح ، بل وتعرّضها لغزوات الشيطان المتلاحقة ، وتلاعب اليهود بالعورات ، وعزفهم على وتر الأهواء ، ومع ذلك أريد أن أطمئنك وأُخوِّفك في الوقت ذاته ما دام تقليب القلوب بيد الله وحده.

 
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرِّفه حيث يشاء » ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك » .

 أخي .. لقد صليت اليوم خمس صلوات فأجبني صادقاً : كم مرة دعوت بهذا الدعاء؟! مع أنك أحوج إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفتن اليوم أعم وأطغى ، والقلب أضعف وأوهن ، فاحرص على ما بينك وبين الله ، وصِل ما انقطع من حبالك معه حتى يثبِّتك على مرضاته اليوم ويهديك...

أهميَّة القلب ...8


8-"وَحْدَهُ مالكُ دوائِه "


 

قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ [ الحج : 15 ]


هذه الآية تصف حال نفر من المنافقين امتلأت قلوبهم غيظاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علوه ونصره ، فقال الله لهم : إن الله ناصر رسوله في الدنيا والأخرة ؛ فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله لن يفعل ويغيظه أن يظفر نبينا بموعود الله له ؛ فليستقص وسعه وليستفرغ جهده في إزالة ما في قلبه من غيظ بأن يفعل أقصى ما يستطيع فعله ، ولو كان ذلك أن يفعل من بلغ منه الغيط كل مبلغ حتى مدَّ حبلا إلى سماء بيته فشنق به نفسه ، فإنه وإن فعل ذلك فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من غيظ ، كلا والله فلن يذهب غيظه ولن يزول مرضه إلا أن يشاء الله ، فالله وحده هو شافي الصدور ورافع وحر القلوب.


والمعنى :

 ((إذا كنت تعاني الكآبة والحزن واليأس والجزع ، فهل تملك قوى الأرض جميعا أن تُغيِّر من ذلك مثقال ذرة ؟! ))

 ((إذا حيزت لك الدنيا بحذافيرها وصارت تحت أقدامك ؛ لكن امتلأ قلبك كمدا وغما فهل تهنأ من دنياك بشيء؟! ))

 (( إذا غرق قلب في الشكِّ والشبهات والزيغ والرِّيَب ؛ فهل يملك نزع ذلك المرض من صدرك أحد من أهل الدنيا ما لم يشأ ربك؟! ))

 (( إذا رأيت نعيم الدنيا مقبلا على غيرك ومُعرِضا عنك ، فمَدَدّت عينيك حسداً ولسانك حقداً وقلبك غلاً ، فهل يملك تطهيرك مما أنت فيه أحد غير الله؟! ))

 (( إذا أحب قلبك شهوة أُشرِبها ومال إلى خطيئة وعشقها ، فهل يملك أن يعدل قلبك المنكوس ويحيي فطرتك السليمة أحد سوى خالقه؟! ))

 (( إذا كره قلبك طاعة واستثقلها وملَّ المداومة عليها حتى كاد أن ينقطع ، فهل يملك أحد أن يحبِّبك فيها ويدنيك منها سوى الذي حبب إلينا الإيمان وزيَّنه في قلوبنا؟! ))


هذا ما أدركه "مطرف بن عبد الله" حين انخلع من رؤية عمله واعترف بقمة عجزه وغاية ضعفه وردَّ الفضل كل الفضل إلى الله وحده حين قال : " لو أُخرِج قلبي فجُعِل في يدي هذه في اليسار ، وجيء بالخير فجُعِل في هذه اليمنى ، ثم قُرِّبت من الأخرى ما استطعت أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون الله عز وجل يضعه " .


إلى كل مريض :

 يستطيع الإنسان أن يحرِّك رجله إن أراد أو يهوي بيده أو يرفعها ، لكن هل يستطيع أن يفعل ذلك مع قلبه؟! كلَّا والله .. فكيف تتعامل مع قلب لا سلطان لك عليه بل لا سلطان عليه إلَّا لله ، ولا معرفة لك بأسراره وكنهه بل لا يعرف ذلك إلَّا الله؟! ألا فليعلم كل من أراد علاج قلبه اليوم دون الاستعانة بربه أنَّه لن يزداد إلا مرضا ، ألا وقل لطالبي الشفاء من عند غير الله : يا عظم خسرانكم ، ألا قل للواقفين بغير بابه : يا طول هوانكم ، ألا قل للمؤمِّلين لغير فضله : يا خيبة آملكم ، ألا قل للعاملين عند غيره : يا ضلال سعيكم  !!!


من الذي يستطيع أن يحول بينك وبين الدواء ، ويمنع عنك الطاعة؟! ومن الذي يُبدِّل الأمن خوفا والجبن جرأة؟! ومن الذي يقلب الكره حبا والحب كرها؟!


أخي .. دواؤك عنده فلا تلتمسه عند غيره ، وشفاؤك بيده فلا تُتعِب الأطباء معك ، وإن من شيء إلا عنده خزائنه ؛ وأنت تائه على أبواب الفقراء تتسول!!

مشاركة مميزة

ما الذي تفتقده البشرية يا تُرى؟